استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل العلمية: لماذا يحذّر منه الأكاديميون؟

استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل العلمية أصبح خيارًا سهلاً أمام كثير من طلاب الدراسات العليا، لكنّ عددًا من الأكاديميين يحذّرون منه بشكل قاطع، ويرون أن الاعتماد عليه في كتابة الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه يعرّض الباحث لمشكلات إدارية، ويفوّت عليه فرصة بناء مهاراته العلمية، وقد يثير حوله شكوكًا أكاديمية جدية. في هذا المقال، نستعرض الأسباب الرئيسية التي يستند إليها هذا التحذير، وكيف يمكن لطالب الدراسات العليا أن يستثمر سنوات دراسته بدلاً من الاعتكاف على أدوات جاهزة تنجز المهمة مكانه.

السبب الأول: نسبة الذكاء الاصطناعي وفحوصات الاستلال

العائق الأول أمام استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي هو الجانب الإداري والقانوني الذي فرضته الجامعات مؤخرًا. مع الانتشار الواسع لتطبيقات مثل تشات جي بي تي، التي أصبحت قادرة على كتابة مقال كامل أو حل مسألة أو عرض نتائج وإعادة صياغتها، بدأت المؤسسات الأكاديمية تشترط ألا تتجاوز نسبة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الرسالة حدًا معينًا، وقد لا يتجاوز هذا الحد 5% في بعض الجامعات. وحين يُنجز الباحث رسالته، تمر بخطوة فحص الاستلال التي تكشف أيضًا نسبة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في النص.

من أبرز الأدوات المستخدمة في هذا الفحص برنامج Turnitin، الذي تعتمد عليه غالبية الجامعات البريطانية للكشف عن الانتحال العلمي منذ إطلاقه. ولا يقتصر الأمر على سرعة الفحص فقط، إذ عدّلت الشركة إعدادات النظام لخفض نسبة النتائج الإيجابية الخاطئة، بما يجعل التقارير أكثر اعتمادًا لدى المشرفين ولجان المناقشة. وفي هذا السياق، حذّر نائب رئيس جامعة القاهرة، في تصريحات صحفية، من أن كتابة رسالة أو بحث كامل عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي تندرج ضمن الانتحال الأكاديمي، ودعا إلى الالتزام بالحدود المعقولة عند استخدام هذه الأدوات.

النتيجة العملية لطالب لم يحسب هذا الأمر: إذا اكتشف بعد سنة أو أكثر من العمل أن نسبة الذكاء الاصطناعي في رسالته مرتفعة، سيُضطر لإعادة كتابة أجزاء كاملة منها، وهو ما يعني وقتًا وجهدًا إضافيين، وتأخرًا قد يمتد لأشهر، ودخولًا في حالة من الإرباك كان يمكن تجنبها بالكامل لو تعامل مع الرسالة منذ البداية بوصفها عملًا شخصيًا خالصًا.

السبب الثاني: سنوات الدراسات العليا فرصة بناء لا تتكرر

أهم سبب يذكره الأكاديميون هو أن مرحلة الدراسات العليا هي فرصة العمر لبناء الباحث نفسه بنفسه، وهي فرصة لا تتكرر بعد التخرج.

فالطالب في هذه المرحلة متفرغ للدراسة، ولديه مشرف يوجهه، وأدوات ومصادر تحت يده، وبيئة أكاديمية مهيأة بالكامل لتعلّم الكتابة العلمية وحل المسائل وإعداد العروض والمحاضرات. بمجرد التخرج والانتقال إلى سوق العمل، تتزايد الالتزامات العائلية والإدارية والوظيفية، ويصبح إيجاد وقت للتعلم من الصفر أمرًا نادرًا. من يعتمد على الذكاء الاصطناعي في هذه المرحلة بدلاً من أن يكتب بنفسه، ويقرأ، ويعيد الصياغة مرارًا حتى يتقن مهارة الكتابة العلمية، يفوّت فرصة تأسيس نفسه بشكل صحيح، وسيحمل هذا الفراغ معه إلى موقع العمل، سواء أصبح أستاذًا جامعيًا أو باحثًا أو مسؤولًا في جهة معينة، حيث سيُطلب منه إعداد الأبحاث والتقارير والمحاضرات والندوات دون مساعدة أحد.

الفارق هنا ليس في الحصول على الشهادة فحسب، بل بين أن يحصل عليها الطالب وهو فعليًا متمكن من أدوات البحث العلمي، أو أن يحصل عليها وهو خالٍ من هذه المهارات، ليجد نفسه لاحقًا عاجزًا عن الإشراف على طلاب أو الرد على استفسارات علمية بسيطة يطرحها عليه من حوله. ولبناء هذه المهارة فعليًا، ينصح الأكاديميون بخطوة عملية بسيطة: الكتابة المتكررة. أن يكتب الباحث الفقرة نفسها أكثر من مرة، ثم يقرأ ما كتبه، ويراجعه، وينقّحه، حتى يصل تدريجيًا إلى القدرة على صياغة فقرة متماسكة، وعرض نتائج، ومناقشتها بلغته الخاصة، بدلاً من انتظار نص جاهز من أداة خارجية.

السبب الثالث: الشك الأكاديمي حين تتجاوز الكتابة مستوى الطالب

السبب الثالث يتعلق بمصداقية الباحث أمام لجان المناقشة، إذ يراقب الأساتذة تطور مستوى الطالب الكتابي طوال سنوات الدراسة، وأي تفاوت مفاجئ يثير الشبهات.

فأعضاء لجان المناقشة يتابعون كتابات طالب الدراسات العليا منذ بداية برنامجه، ويعرفون مستواه اللغوي والعلمي جيدًا، خصوصًا أن كثيرًا من الطلاب يكملون دراساتهم العليا في الكلية نفسها التي تخرجوا منها. فحين تصل الرسالة النهائية بلغة محبوكة وبمستوى احترافي يتجاوز بوضوح قدرات الطالب المعروفة، تبدأ الشكوك: هل كتب أحدٌ آخر هذا النص نيابة عنه؟ وتتحول المناقشة العلمية إلى تحقيق في مصداقية العمل بدلاً من نقاش الأفكار والنتائج، ما يعرّض الطالب لإحراج إداري وأكاديمي كان بإمكانه تجنبه بالكامل لو اعتمد على نفسه منذ البداية.

أستاذ جامعي يراجع رسالة بحثية مع طالب.webp

في المحصلة، لا يعني هذا التحذير رفض التطور التقني بشكل كامل، بل يضع الأولوية الصحيحة في مكانها: الدراسات العليا فترة تدريب، والهدف منها ليس الحصول على الشهادة فقط، بل الخروج منها باحثًا قادرًا فعليًا على الكتابة والتحليل ومناقشة النتائج والإشراف لاحقًا على غيره، وهي قدرة لا تُكتسب من نص جاهز، بل من التكرار والمراجعة والتعلم المباشر طوال سنوات الدراسة.

رسم توضيحي لتقرير فحص نسبة الذكاء الاصطناعي في بحث علمي.webp

في النهاية الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الرسائل العلمية قد يبدو حلاً سريعًا، لكنه يحمل مخاطر إدارية وأكاديمية حقيقية، بينما يبقى الاستثمار في الكتابة الذاتية خلال سنوات الدراسة هو الطريق الأضمن لبناء باحث متمكن فعلياً.

يمكنك إستخدام منصة صياغة لتخطي كواشف الذكاء الإصطناعي من هنا : https://siyagha.ai
للمزيد من المقالات ، تفضل بزيادة المدونة من هنا : https://siyagha.ai/blog